متخصص :القرار بإرسال قوات إلى السعودية.. تطور نوعي في العقيدة الأمنية المصرية مع دول الخليج
قال الدكتور معتز سلامة رئيس التقرير الاستراتيجي العربي بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام أنه جاءت موافقة مجلس النواب المصري في 26 أكتوبر 2026 على طلب تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي لإرسال قوات مسلحة مصرية في مهام دفاعية إلى المملكة العربية السعودية، لتجسد المقولة التي ترددت في البيانات والتصريحات المصرية على مدى العقود، والتي تقضي بأن أمن الخليج يمثل امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري، كما جسدت المفهوم الذي صكه الرئيس السيسي منذ سنوات، والخاص بـ "مسافة السكة".
لافتا إلى أنه جاء تفويض مجلس النواب ليشير إلى حجم الثقة العسكرية بين مصر والمملكة، ويعبر عن بلوغ التحديات الإقليمية مستوى دفع الدولتين إلى محطة جديدة من توثيق العلاقات العسكرية. ليس هناك سابقة للتصويت البرلماني على إرسال قوات إلى المملكة، لذلك يعتبر القرار تفعيلاً عملياً غير مسبوق في الإطار الدستوري والبرلماني المصري الراهن لمبدأ التضامن والدفاع عن السعودية في مواجهة اعتداءات خارجية.
وأضاف سلامه أثار القرار المصري كثيراً من الجدل والتفاعلات الإعلامية السلبية والإيجابية، التي أخرجت بعض التصريحات عن سياقها، على خلفية السوشيال ميديا والشخصية الوطنية للشعبين؛ حيث أنه بالنسبة لمصر، فإن خصوصية القرار الوطني تمثل شعوراً متأصلاً يحتل القيمة العليا بالنسبة للمصريين. أما بالنسبة للمملكة فيكتسب الإحساس بالذاتية والحفاظ على الصورة الوطنية قيمة كبيرة. لكن يثير الانتباه أنه على الصعيد الرسمي كان هناك انضباط كبير، وحرص على استبعاد كل ما من شأنه توتير العلاقات وإخراج الموضوع عن سياقه وأهدافه. وأدت المناقشات السرية داخل البرلمان المصري إلى صيانة علاقة البلدين من أحاديث وشائعات تفسد خصوصية القرار.
أولاً: السياق الإجرائي والمضموني للقرار
في السياق الإجرائي، أورد بيان مجلس النواب أنه وافق "بأغلبية ثلثي الأعضاء" على تفويض رئيس الجمهورية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية، مما يؤكد استيفاء المجلس الشروط الدستورية للموافقة على الطلب، وأنه أفسح المجال لمناقشات أعضائه من كل الاتجاهات ومختلف أطياف الرأي، ليس اختلافاً على الدفاع عن المملكة، وإنما بمحاذير السياسة المصرية فيما يتعلق بإرسال قوات للخارج، وفي ظل الظروف الإقليمية التي تنطوي على احتمال خوض حرب أمريكية - إسرائيلية كبرى مع إيران. وتشير كلمة "تفويض" إلى أن المجلس لم يصدر قراراً أو تشريعاً، وأن التعامل مع التفويض هو أمر من اختصاص رئيس الجمهورية.
أما عبارة "عقب التنسيق بين البلدين الشقيقين"، فتؤكد وجود أشياء لا تزال تستلزم تنسيق البلدين بشأن إجراءات تنفيذ الطلب. كما حرص المجلس على إيراد عبارة "للدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية"، وهذه صياغة أوسع من مجرد ظرف الحرب مع الحوثيين، وتشير إلى تضامن عسكري مصري شامل مع المملكة ضد كل صنوف الاعتداءات مهما كان مصدرها، لذلك لم ينص بيان المجلس على مواجهة الاعتداءات الحوثية ولم يشر إلى إيران بشكل خاص.
وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي طلب من البرلمان عقد جلسة طارئة للتفويض في الدفاع عن دول الخليج "إذا طُلب من القاهرة ذلك"، وأكد أن مصر "مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها"، وحرص الرئيس على إبراز الاستجابة الكاملة، بلغة توقف عندها البعض بالتفسير والتأمل؛ حين قال أنه "وفقاً لتوجيهات جلالة الملك سلمان وتوجيهات ولي العهد (الأمير) محمد بن سلمان، سننفذ أي إجراء لحمايتكم والدفاع عنكم"، وطلب الرئيس من خريجي الأكاديمية العسكرية المصرية أداء التحية العسكرية لدول الخليج تقديراً لمواقفها الداعمة لمصر.
أكد تصريح الرئيس وقرار البرلمان أن طلب التفويض الرئاسي سبق توجه المملكة بطلب رسمي مكتوب ومحدد إلى مصر، مما يؤكد الحرص على إبداء موقف دفاعي تضامني مصري مع المملكة قبل تلقي الطلب الرسمي. لكن على الأرجح أن مصر لم تبدأ في مباشرة الإجراءات الدستورية من دون استشعارها بحاجة المملكة إلى ذلك، أو أن المملكة ربما طلبت شفاهة قبل الطلب الرسمي المكتوب، الذي ربما تكون قد أرجأته لوقته المحدد. مع ذلك لا يمكن الجزم من المعلومات العلنية بما إذا كانت مصر قد تحركت استباقياً أم استجابة لاتصالات سعودية غير معلنة. وربما استهدفت المملكة بالقرار المصري استجماع أشكال الضغط على الحوثيين وإيران في سياق مبادرة تسوية إقليمية، قبل أن تطلب قوات بشكل رسمي إذا انزلقت المنطقة إلى سيناريو الحرب المفاجئة.
على الجانب السعودي، يثير الانتباه أنه لم تصدر تصريحات أو بيانات سابقة أو لاحقة على الموقف المصري، على الرغم من حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن "توجيهات" الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مما يشير إلى تعاطي خاص للمملكة مع الموضوع، على نحو يتواءم مع الطابع الوطني السعودي والحساسية السعودية تجاه صورة الدولة، وهو أمر أظهرته تعليقات السعوديين على الموقف المصري، التي تضمن بعضها مواقف مرحبة وأخرى ناقدة وثالثة متطرفة في النقد. وقد يعكس الصمت السعودي الرسمي اعتبارات سياسية وعسكرية وأمنية متعددة، من بينها: تجنب إظهار الاعتماد الخارجي، والإدارة الإعلامية للملف، وعدم الرغبة في تدويله، وانتظار تحديد طبيعة المهمة، وإبقاء خيارات التفاوض مفتوحة.
وعلى الصعيد الإقليمي، يأتي القرار المصري استباقاً لموجة محتملة من الاضطراب الواسع والممتد؛ إذ تشير الدلائل إلى تزايد احتمالات تجدد الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وهو أمر تبرزه التصريحات الصريحة والغامضة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هدد أكثر من مرة بشكل صريح بشن ضربات عسكرية وشيكة ضد إيران، مصرحاً بأن المفاوضات "مضيعة للوقت"، ومعتبراً أن السؤال الوحيد المتبقي بخصوص طهران هو: "هل أبرم اتفاقاً معها أم أقضي عليها نهائياً؟". وفي مرات مختلفة صرح ترامب بأن "شيئاً كبيراً قد يحدث قريباً جداً بشأن إيران". وقد يتسع الهدف الأمريكي–الإسرائيلي في حال تجدد الحرب من ضرب القدرات النووية والصاروخية إلى محاولة إحداث تغيير سياسي داخل إيران واستهداف بنية النظام.
وعلى الجانب الإيراني، تهدد طهران باستخدام أسلحة جديدة وبضرب المصالح الإسرائيلية والأمريكية دون تمييز، وباستهداف المطارات وخطوط النفط وكابلات الاتصالات البحرية، وتدعو إلى إخلاء المنطقة كاملاً من القوات الأجنبية. وإذا كانت المواجهات السابقة قد أسفرت عن تحمل دول مجلس التعاون الخليجي خسائر هائلة باقتصاداتها وممرات نفطها وموانئها ومدنها وقواعدها العسكرية وعانت الحصار في مضيق هرمز، فإن الحرب المتوقعة تهدد بإعادة المنطقة سنوات طويلة للوراء.
في ظل هذه الحالة، يأتي القرار المصري ليستبق تطورات إقليمية قد تطرح تهديدات غير منظورة الآن، وقد تمتد بتداعياتها على الاستقرار الإقليمي وأمن البحر الأحمر لسنوات طويلة مقبلة، وتؤثر في الترتيب الإقليمي لما بعد الحرب.
ثانياً: دوافع القرار ودلالاته
على الرغم من الأهداف الكثيرة خلف موافقة مجلس النواب على تفويض رئيس الجمهورية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات دعم المملكة العربية السعودية، إلا أنه يمكن التركيز بشكل خاص على خمسة اعتبارات تأسس عليها الموقف المصري، يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
1- تأكيد مفهوم الأمن المشترك: لم تمر العلاقات المصرية - السعودية بلحظة اختبار بمشتركات الأمن القومي مماثلة لما تمر به الآن؛ ففي الحرب السعودية مع الحوثيين منذ مارس 2015 كان القرار سعودياً خالصاً، ولم تكن المملكة في حالة دفاع، ولم تتعرض أراضيها لهجمات على المنشآت البترولية والمدنية والمطارات، كما لم تتعرض موانئها وخطوط نفطها للحصار البحري. لذلك أبرزت المواجهة الحالية الجانب العدائي في السلوك الحوثي ضد السعودية، مما هيأ الظروف لصدور القرار المصري بتقديم الدعم الدفاعي للمملكة بسلاسة بين الرئيس ومجلس الدفاع الوطني والبرلمان. ويظل القرار المصري محكوماً بقاعدته الثابتة بأن إرسال القوات المصرية للمملكة هو للدفاع وليس للهجوم، وهو ما شدد عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي أكثر من مرة. وبينما يقدم موقف مصر دعماً دفاعياً للمملكة –بما يمكنها من التفرغ للرد على العدوان- فإنه يحافظ على القاعدة المصرية الذهبية بعدم المشاركة في عمليات هجومية. وفي العموم، يؤكد القرار المصري التزامه بثوابت الأمن القومي العربي. من ثم، يمكن النظر إلى القرار المصري على أنه بني على رؤية محددة لنظام إقليمي لا تسيطر عليه اسرائيل، ويسعى إلى الحيلولة دون سقوط النظام الإقليمي أسيراً لتحالفات غير عربية أو تحالفات إقليمية مع قوى عربية.
2- انتصار للدولة الوطنية في مواجهة الجماعات: يمكن قراءة القرار المصري أيضاً في إطار العقيدة المصرية الرافضة لتجاوز الجماعات المسلحة من غير الدول لسيادة الدول الوطنية، والمؤيدة لاحتكار الدول استخدام القوة، ودعم المؤسسات الوطنية والجيوش النظامية. وهنا يعزز القرار المصري استشعار ما تتعرض له المملكة من عدوان على أيدي جماعة عقائدية يمنية لا تمثل دولة وتمالئ دولة عقائدية عسكرية، مع عدم تناسب الضرر من جانب الحوثيين؛ بعد تعرض المملكة لحصار بحري و"معادلة ردع لا متماثلة" تتأسس على تهديد المنشآت المدنية والاقتصاد والموانئ والمطارات، ما يخرج بالمواجهة والحرب عن سياقها الطبيعي، ويجعلها حرب استنزاف مدني واقتصادي وتخريبي، وذلك يجعل دول الإقليم أسيرة جماعات وفاعلين متحررين من القيود. وبقرارها إرسال قوات للمملكة تنتصر مصر للدولة الوطنية وتنحاز إلى النظام الرسمي العربي، الذي تسعى جماعات ما دون الدولة للإجهاز عليه لمصلحة نظام إقليمي تحتي ناشئ يتكون من فاعلين من غير الدول، يهددون بإدخال الدول في حروب هجينة، تستنزف ثرواتها وتبدد مجهودات شعوبها في الاقتصاد والتنمية. وتقف مصر في طليعة دول الإقليم انتصاراً للدولة الوطنية ومعارضة لأدوار الجماعات والفاعلين المتوازيين مع الدولة، وهذا نهج ضابط وناظم لموقف الدولة المصرية مع مختلف القضايا العربية، على نحو ما حدث مع سوريا واليمن والسودان وليبيا.
3- تأكيد الترابط الجيوسياسي والجيواقتصادي المصري الخليجي: إحدى أهم الحقائق التي كشفتها الأزمات في منطقة الخليج خلال السنوات الماضية، أن اقتصاد مصر مرتبط بالاقتصاد والازدهار الخليجي؛ حيث مثلت دول الخليج السند الأساسي للاقتصاد المصري خلال الأزمات تحديداً، وذلك ما أكده الرئيس عبدالفتاح السيسي علانية في مرات كثيرة، آخرها أثناء طلبه تفويض البرلمان المصري بإرسال قوات للدفاع عن المملكة، حين أكد أن الوقوف الخليجي إلى جانب مصر خلال فترة ما بعد 2011 شكل السند الأساسي للدولة المصرية. لذلك ترى مصر أن الاضطراب الجيوسياسي والجيواقتصادي واضطراب ممرات الملاحة وصادرات النفط والغاز الخليجي سوف ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري، سواء فيما يتعلق بالتوازن الإقليمي واستقرار الجزيرة العربية، أو فيما يتعلق بأسعار الطاقة والممرات والمضايق البحرية وقناة السويس، أو بعوائد المصريين في الخارج أو السياحة الخليجية. ومن شأن توسيع دوائر الحرب واستمرارها لفترة أطول أن يعرض الاقتصاد المصري للضرر، ما ينعكس على موجات أخرى من التضخم والغلاء، وتراجع قيمة العملة والاستثمار، والضغوط على المالية العامة والموازنات الوطنية، فضلاً عن الضغوط على العمالة المصرية في الخليج.
4- إبعاد المملكة عن تداعيات الضغط السياسي: تقف المنطقة العربية منذ ما بعد طوفان الأقصى وقبله بكثير، أمام خيارين استراتيجيين مطروحين، هما: خيار الضغط السياسي المستمر والعقوبات أحياناً ووقف صادرات السلاح الأمريكي، وخيار التطبيع مع إسرائيل الذي يطرح باعتباره "المفتاح السحري" لكل الأزمات والمشكلات. ولقد طُرح الخيار الأخير منذ سنوات باعتباره خياراً مطروحاً أمام المملكة، تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي أكثر من مرة، واعتبر المملكة تمثل جائزة التطبيع الكبرى لبلاده في العالم العربي. ولأجل ذلك تمارس إسرائيل على الولايات المتحدة للضغط على السعودية لأجل التطبيع، ولقد طرحت الولايات المتحدة ذلك باعتباره مساراً ضرورياً للمملكة خلال فترة الرئيس ترامب الأولى (يناير 2017 حتى يناير 2021)، وطرح خلال فترة الرئيس السابق جو بايدن (يناير 2021 حتى يناير 2025)، ولكن انتهت فترتا ترامب (الأولى) وبايدن دون أن تستجيب المملكة للضغوط. ويمارس الرئيس ترامب في ولايته الثانية الضغط نفسه على المملكة؛ فحينما بدأت المواجهة السعودية مع الحوثيين طرحت إدارة ترامب إسرائيل كفرصة أمام المملكة، بمقابل التطبيع اللاحق، وفي أكتوبر 2026 اعتبر ترامب أن إسرائيل "مفيدة جداً" للسعودية ويمكن أن تقدم لها المساعدة في مواجهة هجمات الحوثيين. وكان ترامب قد ربط إقرار توقيع الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة في 23 يوليو 2026 بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، مشيراً إلى أن الاتفاق لن يتضمن تخصيباً لليورانيوم دون هذا المسار. هكذا ربما لا يقدر الحوثيون أن عدوهم الإسرائيلي هو المستفيد الأساسي من حربهم وضغطهم المدني والاقتصادي على السعودية. وقد تكون إحدى الآثار الجيوسياسية المحتملة للقرار المصري هى تخفيض الضغط عن المملكة فيما يتعلق بالخيار الإسرائيلي.
5- تأكيد الخصوصية مقارنة باتفاق مكة الدفاعي: منذ إبرام اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، تركز السؤال الأبرز حول: لماذا لم تنضم مصر إلى التحالف الناشئ، رغم أنها شكلت جزءاً من المباحثات الرباعية مع السعودية وباكستان وتركيا؟. وبقرار مصر إرسال القوات للمملكة، فإنها تؤكد على أن علاقاتها الأمنية والدفاعية بالمملكة ذات خصوصية، وأنها تختلف عن علاقات المملكة بكل من باكستان وتركيا، وأنه في الوقت الذي تقبل فيه مصر بالدفاع عن المملكة وحمايتها، في ظل عقيدتها الخاصة بأمن الخليج العربي، فإنها لا ترغب بتوسيع العلاقة والانخراط في تحالف دفاعي يفرض عليها التزامات إزاء كل من تركيا وباكستان، ما يوسع النطاق الجيوسياسي والأمني لمصر ويؤثر في علاقاتها بدول وقوى دولية لها علاقاتها الاستراتيجية معها. ومن ثم استهدفت مصر بعدم الانخراط في تحالف مكة الدفاعي تمييز علاقاتها ورابطتها الخاصة بأمن الخليج عن أي تحالفات موسعة أخرى قد تشتت دورها في بيئات دفاعية مختلفة تؤثر في علاقاتها الدولية وعقيدتها الخاصة بالاتزان الاستراتيجي. وربما سعت مصر أيضاً إلى استعادة طرح وتسليط الضوء على نموذج التعاون الدفاعي العربي في مواجهة ازدياد نماذج التعاون الخليجي الثنائية مع أطراف إقليمية غير عربية، والتي تؤشر ليس فقط على تباعد الأمن الخليجي عن الأمن القومي العربي، وإنما على تباعد مفاهيم الأمني الخليجي بين دول مجلس التعاون الخليحي ذاتها.
ثالثاً: حسابات وتقديرات القرار
على الرغم من أن القرار المصري لم يستغرق سوى أقل من أسبوعين منذ طلب الرئيس عبدالفتاح السيسي تفويض البرلمان، إلا أنه أخذ في الحسبان اعتبارات كثيرة، فقد شملت حسابات القرار المصري دراسة تأثير القرار على العلاقة بإيران، وعلى الوضع في اليمن والخطر الحوثي على قناة السويس والبحر الأحمر. كما من المرجح أن مصر درست تبعات القرار على علاقتها بالولايات المتحدة وإسرائيل، حيث اتخذ القرار في وقت تزايدت فيه نبرة التصريحات العدائية من جانب وزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية نحو مصر، وفي ظل ظروف سعى فيها الرئيس الأمريكي لدفع المملكة العربية السعودية لتقبل الدعم من إسرائيل ضد الحوثيين كمدخل لفرض التطبيع. وتحذيراً من تبعات القرار استدعى البعض تجربة الاستنزاف المصري في اليمن، التي يرى عدد من المحللين العسكريين أنها كانت من العوامل التي أضعفت الجاهزية المصرية قبيل حرب يونيو 1967.
وأخطر ما في القرار المصري بالدعم الدفاعي للمملكة، أنه صدر في وقت تسود فيه حالة من الغموض حول مستقبل المواجهة السعودية مع الحوثيين واحتمال تجدد الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران. وبالنسبة لجبهة الحوثي، يرجح أن تظل مفتوحة ما لم تنجح مفاوضات تسوية ووساطة، وهذه المفاوضات إما أن تعود بالأوضاع إلى الهدنة التي سادت منذ أبريل 2022، وتنتهي بفك الحصار ووقف الهجمات المتبادلة، أو تفشل وتستمر المواجهة وتتفاقم في ظل حرب أمريكية إسرائيلية مع إيران، مع تداخل مسرحي الحرب في الخليج واليمن، وذلك أصعب سيناريو متوقع. ومن ثم فإن مسطرة التقدير الاستراتيحي المصري بشأن إرسال القوات في ظل المستقبلات المتأرجحة لأجواء الأزمة والحرب صعبة ومعقدة، لأن اعتبارات القرار وحساباته متغيرة بحسب اللاحق من الأحداث المجهولة. وبينما تستلزم تقديرات المواقف الاستراتيجية حسابات على أرضية محددة، فإن تقديرات الوضع الجاري متفاوتة بشأن تبعات وارتدادات القرار. ولكن يبدو أن القرار المصري انطلق بموقف مبدئي استباقي بإقرار إسناد المملكة وإرسال القوات، على أساس أن الإقرار السريع لهذا الموقف وحده –وقبل أي تحريك للقوات- يحمل رسالة سياسية ودفاعية، ويشكل جوهر التقدير الاستراتيجي المركزي للدولة المصرية.
وبشكلٍ عام، يعزز التفويض بإرسال القوات الحضور المصري في الترتيبات الإقليمية الناشئة، خاصة في الخليج ومعادلات الأمن اليمني، وفي البحر الأحمر، وعلى مقربة من باب المندب والقرن الأفريقي، وهو شأن بالغ الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لمصر ومستقبل النظام الإقليمي، مع ارتباطه بالأزمة مع إثيوبيا ومياه النيل والسد، وموقف مصر من الصومال وجمهورية أرض الصومال. وإذا كانت القاهرة قد ترددت في المشاركة في صيغ أمنية وعسكرية أجنبية في البحر الأحمر، فإن إرسال القوات المصرية إلى السعودية يعزز مكانة مصر في النظام الإقليمي لما بعد الحرب. ويشير ما سبق إلى تعقيدات القرار المصري، وأنه رغم انطلاقه من عقيدة قومية ووطنية، فإنه يأخذ في الاعتبار الوضعية غير المستقرة في الإقليم، التي تجعل تبعات القرار وانعكاساته تتغير كل يوم.
رابعاً: السيناريوهات ومسارات التنفيذ
على الرغم من الانتهاء من التفويض والاستقرار على إرسال القوات المصرية إلى السعودية، إلا أن تنفيذ التفويض البرلماني من جانب الرئيس يتوقف على جوانب كثيرة، يتمثل بعضها في: الطلب السعودي الرسمي، وتحديد تشكيل القوات وحجمها، وطبيعة المهام المنوطة بها، وأماكن انتشارها، والمسارات الأخرى في علاقات البلدين، ومسارات الأحداث الإقليمية في ظل الاحتمالات المختلفة.
في ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لإرسال القوات المصرية إلى السعودية، تتضمن ما يلي:
السيناريو الأول: إبرام اتفاق لخفض التصعيد أو وقف النار في اليمن، والتوصل إلى اتفاق بين السعودية والحوثيين ينتهي إلى وقف الهجمات الحوثية على المنشآت المدنية والاقتصادية ورفع الحصار، أو حصر المواجهة وقصرها داخل حدود اليمن بين الحوثيين والأطراف الأخرى في الساحة اليمنية بمن فيهم قوات الشرعية. وإذا حدث ذلك، فقد لا تسعى المملكة لتفعيل طلب القوات المصرية، على الأقل فيما يتعلق بحدود المواجهة مع الحوثيين، لكنها ربما تفعّل الطلب لاحقاً حال تجدد الحرب مع إيران. وهنا ربما يكون قرار التفويض من جانب مصر قد استهدف تلبية رغبة و"توجيه" سعودي –وفق تعبير الرئيس المصري- على وجه السرعة، بحيث يكون القرار المصري جاهزاً ومستوفياً متطلباته الدستورية والسياسية والعسكرية استعداداً للحظة المحددة، التي تكون فيها مصر مستعدة لتلبية الطلب السعودي على وجه السرعة حال صدروه، وفي ظل سيناريوهات دراماتيكية في مسار الحرب مع إيران. وتبقى الفترة المقبلة للبلدين لمناقشة الجوانب الفنية واللوجستية استعداداً للتنفيذ.
السيناريو الثاني: التوصل إلى مبادرة للأمن الإقليمي مع إيران: في حال التوصل إلى مبادرة للأمن الإقليمي مع إيران، ونجاح تحالف مكة (السعودية، باكستان، تركيا) في الزيارة الأخيرة لطهران في 26 أكتوبر في التوصل إلى اتفاق مع إيران، يؤدي لإنهاء الدوافع الأمريكية الإسرائيلية لاستئناف الحرب (وهو احتمال صعب تحقيقه في ضوء المؤشرات القائمة)، فإن تحالف مكة ربما يشكل عازلاً سياسياً وجيوسياسياً وأمنياً بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج في الفترة المقبلة، وقد يضطلع هذا التحالف بترتيبات مهمة في أمن الخليج والأمن الإقليمي لاحقاً. وفي ضوء هذا المسار أيضاً ربما تتراجع أهمية التحشيد العسكري الإقليمي، ولن تكون المملكة بحاجة إلى وجود عسكري كثيف، ومن ثم لا تضطر المملكة لطلب إرسال قوات مصرية.
السيناريو الثالث: حرب إقليمية تمتد بتداعياتها لعقود: في ظل هذا السيناريو، فإن المملكة قد تسعى لتفعيل الطلب المصري بإرسال قوات، في ضوء التبعات المعقدة للحرب، واحتمالاتها الكارثية على منطقة الخليج. وربما كان ذلك هو التفكير السعودي بالأساس، حيث أنه وفق ما رددت الأخبار فإن انتشار القوات المصرية كان مخططاً أن يكون في المنطقة الشرقية على الضفة الغربية للخليج، مما يعني استباق احتمالات حرب أمريكية إسرائيلية ممكنة. وفي حال نشبت حرب واسعة تمكنت من إسقاط النظام في إيران أو انتهت إلى حرب محدودة لا تغير في الأوضاع الإيرانية كثيراً، فإن الاحتمال الرئيسي هو أن يجري تفعيل الطلب بقوات مصرية، فسيناريوهات الحرب غير متوقعة، ولكن المرجح أن الجانب الإيراني سوف يوظف التهديد الأمني والعسكري داخل حزام الخليج بشكل كثيف. ووفق هذا السيناريو لا يعرف حجم ومدى ومدة القوات المصرية في المملكة، لأنها جميعاً سوف تتوقف على ظروف الحرب وأمدها الزمني ونطاقها الجغرافي.
الخلاصة
وفقاً لكل سيناريو من السيناريوهات الثلاثة -التي تتحرك إلى جانب بعضها البعض بشكل متوازي- سوف يتوقف حجم المهمة الدفاعية المصرية في المملكة العربية السعودية، والتي يمكن أن تتراوح بين مستويات تعاون دون انتشار عسكري، أو دعم استخباري ولوجستي، أو دفاع جوي وبحري وحماية منشآت، أو انتشار بري دفاعي محدود داخل السعودية، أو مشاركة عسكرية واسعة. ويؤكد كل ما سبق، أن الموافقة البرلمانية لا تعني أن مستوى المشاركة المصرية هو أمر مفروغ منه ومحدد سلفاً.
وفي كل الأحوال، فقد حرَّك القرار المصري بالتفويض بإرسال قوات للمملكة المياه الراكدة في مفهوم الأمن القومي العربي، وفي المفاهيم المصرية بشأن ارتباط الأمن القومي المصري بالأمن الخليجي، وهو ما يشكل بداية وسابقة من المرجح أن يجري تفعيلها يوماً ما، حيث يؤسس القرار المصري لموقف دفاعي يمكن تنفيذه وتفعيله في أي وقت، وفق التفويض الذي منحه مجلس النواب.

.jpg)




.jpg)